dimanche 18 novembre 2018

باسم الله الرحمان الرحيم
ذكرى المولد النبوي لعام  1440مناسية للتعارف


إن الله رب العالمين يقول في محكم كتابه "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل تعارفوا"
تطبيقا للآية أعلاه نبدأ بتعريف الرسول محمد (ص)

·        شريط فيديو - تعرف علي الرسول محمد  لمحمد أمين صبري-  . 


يقول الله تعالى في سورة (القلم) الآية  4 (وانك لعلي خلق عظيم)
نتعرف علي أخلاق الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول عن نفسه )إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ).لعلنا نقتبس منها.
من أخلاقه صلى الله عليه وسلم ما قاله المؤمنون عنه:
·       الأمانة: أمرنا الله في محكم كتابه بالحفاظ على الأمانة وَكَرَّه ونبذ الخيانة، لقوله عزّ وجلّ في الآية( 58) من سورة النّساء: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا"؛
·       الوفاء:إنّ وفاء الرسول -صلّى الله عليه وسلّم-، وصلته لأرحامه التي أمره الله بِها كانت مَضرباً للمَثل.
·       العدل:إنّ من الصفات التي أمرنا بِها دينُنا وحثّنا عليها نبيّنا صلى الله عليه وسلم - هي صِفتي العدل والمُساواة، والّتي ذكرها في كثيرٍ من أحاديثه.
·       الكرم: فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم - لا يَردّ سائلاً مهما كانت حاجته.
·       التواضع: فقد ذُكِرَت صِفَة التواضع في القرآن الكريم في الآية(18) من سورة لقمان: "وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ".
·       الصِّدق: كانت صفة الصّدق مُلازمةً لِنَبِيّنا محمد صلى الله عليه وسلم - في الجاهليّة والإسلام؛ قبل نزول القرآن الكريم، حَيثُ كانت قُريش تُلقبّه - بالصَّادق الأمين.
ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم عنا نحن الذين خلقنا بعده.

-        قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشتقت لإخواني قيل (نحن يا رسول الله؟) قال بل انتم أصحابي ولكن إخواني من سيأتون بعدى ويؤمنوا بي ولم يروني...اجر الواحد منهم بأجر خمسين منكم..لأنكم تجدون على الخير أعوانا أما هم فلا.-
قال صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) رواه البخاري

نحن نشهد
·        انك رسول الله وانك قد بلغت.
·       ندافع علي رسالة الإسلام ونقتدي من سيرتك في جميع أفعالنا وأعمالنا.
·       ونصلي ونسلم علي النبي.
 (إن الله وملائكته يصلون علي النبي يا أيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) سورة الأحزاب الآية 56

·       إليك فيديو كيف نصلي علي النبي لمحمد أمين صبري.


  !?نضام الحكم


خلاصة القول


في الظروف العالمية الآنية التي تمر بها الأمة الإسلامية حيث تطرق الفساد إلي حامل راية رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.. علي المسلمين جماعات وفرادى أن يتبرؤوا بمن طعن عمليا بالإسلام وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم.ونقض مكارم الأخلاق الإنسانية.
حيث أن الرسالة المحمدية رحمة للعالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) سورة الأنبياء الآية 107
·       نحن نقيم العمل ولا النوايا فالله الخالق وحده يقيم مخلوقاته لكن نستنكره من إنسان يحمل نفس الاسم للرسول محمد صلى الله عليه وسلم..  حيث سوف يزيد بلا شك من النفور والقدح في دين الإسلام وملة محمد صلى الله عليه وسلم.من قبل الناشئة والجاهل من أمور حياته وما أكثرهم.

(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ) سورة الروم الآية 41
(كل نفس بما كسيت رهينة ) سورة المدثر الآية 38
ولهذا فالمطلوب منا فرادي طائعين الرجوع إلي القرآن- مراجعة عقيدتنا - تغيير سلوكياتنا – تحرير عقولنا وعقول أبنائنا وبناتنا بالعلم - الثقة بالله وتوفيقه والعمل الصالح يرفعه.
(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله  وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين.) سورة التوبة الاية24.
 (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا اللذين امنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.) سورة العصر.
بعض الآيات من القران للتذكير.
·       (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطا...) سورة النساء الآية 92)
·        (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذابا عظيما.) سورة النساء الاية 93.
·       (وإذ قتلتم نفسا فأدرأتم فيها والله مخرج ما تكتمون) سورة البقرة الآية 72.
·        (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) سورة لقمان الآية 33.
·       (ربنا إني أسكنت من دريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون.) سورة ابراهيم الآية 37.
·       (و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلي كل ضامر باتين من كل فج عميق.(الحج) الآية 27.
·       (ومن اظلم ممن منع مساجد الله ان يذكر فيها اسمه......) سورة البقرة الآية 14)
·       )وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ(.

إليك شريط فيديو لبعض  المدائح التونسية بالمناسبة





نسأل الله الهداية للجميع والسلام .

mardi 11 septembre 2018

لقد حان وقت التغيير

باسم الله الرحمان الرحيم
لقد حان وقت التغيير


بمناسبة دخول العام الهجري 1440 ذكري هجرة الرسول صلي الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة أهنئكم ونفيس بالعام الجديد –
 في الحقيقة لا تكون التهنئة إلا بعد عام من العمل الصالح. ولذلك  ادعوكم اليوم إلي التغيير- التغيير الفردي والتغيير الجماعي.
"ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها علي قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وان الله سميع عليم" سورة الأنفال.الآية 53
"له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوء فلا مرد له ومالهم من دونه من وال" سورة الرعد الآية 11.
·       إليك يا أخي الإنسان من ذكر و أنثي أينما كنت
·       إليكم يا أئمة واد ميزاب ذكر و أنثي في حلقات العزابة بكل قري وادي ميزاب وفي مدن الشمال.
·       إلي أعضاء مجلس عمي سعيد ذكر و أنثي.
·       إلي أعضاء مجلس ألكرتي ذكر و أنثي.
·       إلي كل الجمعيات التي تعلم القران أينما كانت.
هذا يهمنا ويهم الأجيال القادمة من أبنائنا وبناتنا
إن إحياء المناسبات يكون دوما للموعظة والاقتباس والتجديد.
·       أشهدكم أمام الله ان لا تهجروا اللسان العربي وتهجروا القران من بعد ذلك
·       أبلغكم الدراسة التحليلية التالية "للدكتور محمد شحرور".
هذه الدراسة التحليلية القيمة للدكتور " محمد شحرور" عن وضعيتنا الآنية في العالم الإسلامي ومن حولنا لعلها تعيننا في ترتيب أفكارنا وأمورنا في المجال الديني والدنيوي وتنير بها دربنا ودرب أبنائنا في ما تبقي من أيام في حياتنا.
التغيير ممكن وسعادتنا وشقائنا في الدنيا والآخرة نصنعه بأيدينا.      وفقنا الله.

مقال الدكتور محمد شحرور في موقع السوري الجديد 27\4\2015

الطغيان إلى أين؟
    ينظر غالبية الناس في عالمنا العربي بشكل عام، وفي سورية بشكل خاص، إلى ما يجري اليوم من أحداث، بعين التشاؤم واليأس، فمشاهد القتل والموت والنزوح الجماعي والتشرد والغرق أصبحت خبزنا اليوم، ورغم قساوة هذا كله، ورغم عدم الاستقرار الذي تعيشه المنطقة، يمكنني أن أرى ضوءاً ساطعاً في نهاية النفق، بعد أن كنت قد فقدت الأمل من صحوة الشعوب العربية، مما دعاني لأكتب عام 2008 في كتابي (تجفيف منابع الإرهاب):
          إني أبشر كل الأنظمة العربية السياسية بطول السلامة وطول الإقامة، لأن ثقافتنا عصية تماماً على الثورة على المحتل الداخلي كائناً من كان، وإن ما يسمى الشارع العربي هو شارع فاشل ولا يراهن إلا على الحصان الخاسر"، وقد اعتذرت لاحقاً عن كلامي هذا، فقد أظهر الشارع العربي خطأ ظني به، ولم أكن أتوقع أن أشهد هذه الصحوة، سيما وأن هناك قانوناً ربانياً سارياً مفاده أن التغيير يبدأ من الناس أولاً، ومن إرادتهم، والله تعالى يقول في كتابه {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (الرعد 11)، فالله تعالى يساعد من يساعدون أنفسهم، ولم يكن هناك ما يوحي بأن هذه الشعوب ستساعد نفسها.

وثمة تساؤل طالما طرح من قبل الناس في مجتمعاتنا، هو ما التغيير الذي يريده الله منا، فنحن نقوم بكل ما يطلبه، وعدد المساجد في العالم العربي بالآلاف، والمصلون بالملايين، والأماكن المقدسة رغم توسعتها لا تتسع للحجاج، فهل المطلوب هو فرض الحجاب على النساء جميعاً؟ أم فرض تلاوة الأذكار صباح مساء؟
 ولم ينتبهوا أن الإسلام لم يعان يوماً من أزمة في أداء الشعائر، لكن الأنظمة السياسية الحاكمة، بمختلف أشكالها ابتداءً من العصر الأموي وحتى يومنا هذا، كرست هذه الفكرة مقابل إسقاط أطروحة التطور الفكري، ومارست على الإنسان العربي كل أشكال الطغيان، فحشرته في زوايا معرفية ضيقة، جعلت منه عبداً لا يرغب في الانفكاك عن سيده.

لقد خلفت أنواع الطغيان التي مورست على الشعوب العربية آثاراً وخيمة، لكن كثرة الطغيان وتجبر الأنظمة ولد ضغطاً كبيراً أدى إلى قلب الموازين، فانفجرت الشعوب العربية في صحوة لفكرة أن المحتل يمكن أن يكون محلياً، وبالتالي يجب مواجهته.
وأول أنواع الطغيان هو العقائدي، فعلى مر العصور لم تجد السلطة السياسية صعوبة في تقبل الناس لها باعتبارها قدراً لا مرد له، مكتوباً منذ الأزل، فجرى خلط بين علم الله وإرادته، ووُضع علم الله في غير محله، فالله تعالى كتب منذ الأزل أن يستلم معاوية الحكم بدل علي’ وأن يرجم الحجاج الكعبة بالمنجنيق، وهذا غير صحيح.
     وحرصنا على كمال علم الله جعلنا نقبل بكل حادثة تحدث، ثم اللف والدوران لتبريرها، علماً أن كمال المعرفة لله تعالى لا يحتاج إلى تزكية منا، ومشيئته هي في وجود كافة الاحتمالات والأضداد أمامنا، وأول ما يجب تغييره بأنفسنا هو قناعتنا بأن الله لم يكتب الشقاء والسعادة، والغنى والفقر، وطول العمر وقصره، على أحد، بل وضع القوانين العامة التي من خلالها يقضي الناس وفق إرادتهم ومعرفتهم بالأمور، فإذا علمنا أن الظلم والعدل متكافئان تماماً في علم الله، استطعنا التغلب على عقدنا، واستطعنا بالتالي معاقبة من يظلمنا ويضطهدنا كائناً من كان.

          كذلك مارست المنظومة الفقهية التراثية طغياناً فكرياً على العقل العربي الإسلامي، أدت إلى طرحه جانباً وتعطيله، مقابل سيادة أطر القرنين الثاني والثالث الهجري، فبعد هذين القرنين لا يوجد من هو جدير بفهم أصول التشريع الإسلامي، فأصبحنا أمة مقلدة غير قادرة على إنتاج المعرفة، وأهملنا كل آيات التنزيل الحكيم التي تدعو للتفكر والتدبر والتعقل، ووقفنا عند ما قاله الشافعي وما نقله البخاري، وتم إعفاؤنا من كل مهمة ما عدا التقليد، بينما عمل غيرنا بمضمون الآية {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت 20)، ونحن ضربنا بها عرض الحائط، فحتى مناهجنا التعليمية تعتمد على التلقين والحفظ، دون أي تفكير أو مناقشة، والمهم لدينا من قال وليس ماذا قال، لأن منظومتنا التراثية تعتمد على العنعنة وليس على البينة.

         أما علمياً استفاضت كتب التراث ببحث آيات الأحكام في التنزيل الحكيم، فألفت المجلدات في كيفية الوضوء والصلاة، وتركت ما كان يجب أن تدرسه من آيات في علوم الكون والوجود والتاريخ، علماً أن آيات الأحكام مع تفصيلها في التنزيل الحكيم تشكل الخمس تقريباً والباقي كله آيات علوم وتاريخ، وهذا ما نجده في مكتبات العالم المتحضر اليوم، حيث تحتل الكتب العلمية بما فيها التاريخ والفلسفة النسبة الأكبر أمام كتب التشريع والقانون، فالتنزيل الحكيم يحوي توازناً في موضوعاته لم يحصل في الحضارة العربية الإسلامية.
    هذا يقف بنا أمام طغيان الموضوع والمنهج، فالدولة التي أسسها النبي وتركها مفتوحة للحنيفية في كل زمان ومكان، قضى عليها معاوية والشافعي والأشعري وابن عربي، واليوم يدافع الفقهاء عن هؤلاء ولا يدافعون عن التنزيل الحكيم الموحى من الله، وخلال قرون عديدة من عصور الانحطاط ترسخ في أذهان الناس أن العلم هو ما سمعوه من أفواه المشايخ، وأن من يدرس هذا العلم اسمه عالم، فالعلماء هم علماء الصلاة والصيام والطهارة والوضوء، وعلماء هل هذا حرام أم حلال، ومرت الأجيال المتعاقبة على هذا النسق فأصيبت بالجهل المطبق، وخبا الفكر ونام، وبدلاً من ملكة المعقول واللا معقول حلت ملكة المسموح وغير المسموح، والإنسان يطلب الأمور حسب معرفته لها، فالجاهل لا يطلب شيئاً لأنه لا يعرفه.
       قد يقول البعض: وهل نسيت ابن رشد والرازي وابن سينا وتأثيرهم على الحضارة الأوربية؟ فأقول لا لم أنس، لكن هؤلاء حوربوا في أقوامهم، وابن رشد أحرقت كتبه في شوارع قرطبة على يد علمائها، ثم أين حضور هؤلاء في العقل العربي؟ لقد هُمشوا في الفكر العربي والإسلامي، وحظي الشافعي والغزالي بالتأثير الأكبر بدلاً عنهم، والفكر الأوربي تأثر بالأعلام العرب والمسلمين لكنه تجاوزهم ولم يقف عندهم، بينما لم نستطع نحن تجاوز الغزالي والطبري، بل احتلت كتبهم رفوف معارض الكتب في بلادنا، وبقي طغيان الأداة المعرفية يحكم عقولنا.
   على الأجيال القادمة إن أرادت التغيير إحداث قطيعة معرفية مع أدوات استتنباط المعرفة المستعملة سابقاً، وسر التقدم الفكري يكمن في هذه النقطة بالذات، ولا سيما في دراسة التنزيل الحكيم وتحديث أصول الفقه الإسلامي.

       كذلك وقعت الشعوب العربية والإسلامية تحت سطوة الطغيان الاجتماعي، بما فيه كل العلاقات الاجتماعية الموروثة التي رسخت ما يدخل من ضمن الأعراف على أنه حرام،
علماً أن التنزيل الحكيم حمل فكراً تقدمياً، فصراع الأجيال حسمه لصالح الأبناء {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت 8)، وأصحاب الكهف لم يستطيعوا التعايش مع جيل مؤمن جاء بعدهم بثلاثة قرون لأنهم عاشوا في زمن غير زمانهم.

       وأهم ما عانت منه الشعوب العربية هو الطغيان السياسي، والقرآن الكريم حدثنا عن هذه الظاهرة من خلال قصة فرعون، بصفته رمزاً للطغيان السياسي والانفراد بالسلطة، ومقومات هذا الطغيان ادعاء الربوبية {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات 24) وادعاء الألوهية { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص 38) فالحاكم الإله يدعي أن كل البلد بما فيها الناس ملك شخصي له ويتصرف على هذا الأساس (الربوبية)، ويظن نفسه خالداً وغير قابل للنقد، ويطلب الطاعة الكاملة من الناس (الألوهية) وعليهم ألا يتصرفوا بشيء بدون إذن منه وإلا ينزل بهم أشد العقوبات {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} (الأعراف 124)، وفرعون عاقب السحرة لا لأنهم آمنوا برب موسى، بل لأنهم لم يستأذنوه.

 وهذا ما يفعله الديكتاتور حين يشتد عليه الضغط، فيفصّل معارضة تتقيد بأوامره، ويعتمد سياسة "فرق تسد" فيقسم الناس إلى طوائف ومذاهب، ويتخذ له بطانة تنفذ أوامره وتعده إلهاً حقيقياً، وتتمتع بامتيازات يحرم منها المستضعفون، ويعمل على أن يعم الفساد الأرض { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ* فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ} (الفجر 10-11)، وفرعون لا يعمل وحده وإنما ضمن تحالف مع رأس السلطة الدينية (هامان) والقوة الاقتصادية (قارون)، وحاشية الحاكم الطاغي المستفيدة من الأوضاع القائمة والامتيازات هي المحرضة على البطش {وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون} (الأعراف 127) لكن عقوبة الطغاة تأتي على يد المستضعفين وليست في الآخرة {وقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ} (يونس 88).

    وفي معظم البلدان العربية والإسلامية أخذ الحاكم الإله دور فرعون وقارون معاً، وبرر الهامانات هذا بأن كل من استلم السلطة طاعته واجبة، والجهاد ضد الظلم تحول إلى جهاد النفس ضد الهوى، وأصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محصوراً بالمرأة للتأكيد على ذكورية المجتمع، وساد شعار "دعوا الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها" وترسخت في تراثنا الشعبي الأجوبة الجاهزة عن أن العمر محتوم، والرزق مقسوم، و"سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافها"، و"إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر".

       والتحرر من الفراعنة والقوارين والهامانات لا يكون بقيام الليل، فنصلي وندعو الله أن يحارب عنا، بل علينا مساعدة أنفسنا لكي يساعدنا الله، والنبي دعا الله في معركة بدر بعد أن استنفذ كل التدابير المادية والبشرية.

        إضافة للطغيان الاقتصادي، أثرت كل هذه العوامل على المجتمعات بشكل عام، والأفراد بشكل خاص، فولدت مجتمعات يهمها الشكل أكثر من المضمون، تسودها معاهد "تحفيظ القرآن"، ويتعلم الطلاب في مدارسها النحو والإعراب، لا الفرق في المعنى بين البغي والظلم والكذب والافتراء، وتسود محاكمها "الحيل الشرعية"، فإما أن يموت المواطن قهراً في المحاكم العادية، أو تعذيباً في محاكم أمن الدولة، وتملأ البيروقراطية دوائرها الرسمية، أما اجتماعياً فالمجتمع ذكوري لا حقوق فيه للمرأة، والذكر والأنثى كلاهما إنسان مهزوم يتأرجح بين الخنوع لمن فوقه، والطغيان لمن تحته.

        فليس من المستغرب أن نعاني اليوم من تبعات الربيع العربي، وكل هذه القرون من القمع تحتاج أن تأخذ الوقت اللازم لولادة جيل جديد على أسس فكرية جديدة.
والدولة المدنية المنشودة، ذات المرجعية الأخلاقية، لا بد أن تكون فيها حقوق الملحد كما المؤمن مصانة، فكلمة الله العليا هي الحرية لجميع الناس، بغض النظر عن معتقداتهم، وأهم مبدأ يجب تطبيقه هو احترام حرية الآخر المختلف معك بالمعتقد، والحفاظ على حقوق الإنسان وكرامته، هو الهدف النبيل الذي يستحق التضحية، وإلا أصبحنا ندور في حلقة مفرغة. والشعوب ضحت بالغالي والرخيص لتعيش حريتها لا لتستبدل طاغية بآخر، فنرى مثلاً التيارات الإسلامية تريد فرض الحجاب، والتيارات العلمانية تريد خلع الحجاب، ومع أن الحجاب مؤشر على استمرار الغفوة الإسلامية، وعلى إلهاء المسلمين من أمة محمد (ص) بأمور لا تفيدهم لا في دينهم ولا في دنياهم، لكن يبقى الحجاب حرية شخصية، وليس من مهام الدولة لا بالمنع وبالفرض.ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

mercredi 22 août 2018

قرى ميزاب

 الإسلام نظرة تجديديةالمقالات والمحاضرات    عن الدكتور محمد شحرور حفظه الله ورعاه        منشور بتاريخ / 10 يوليو 2017

القرية والمدينة في التنزيل الحكيم
يُنظر اليوم للإسلام في العالم على اعتبار أن أتباعه أناس متخلفون إرهابيون، بأفضل الأحوال حتى يثبت العكس، وينظر المسلمون لا سيما العرب منهم لأنفسهم على اعتبار أنهم أصحاب حضارة غابرة كان لها شأن عظيم ذات يوم، ويحلم بعضهم بعودة “دولة الخلافة” ليعيدوا من خلالها مجدهم التليد، وكأن الظروف التي واكبت نشأتها ستتاح لهم مرة أخرى وهم لا يملكون من أمرهم شيئاً.

وإذ ننظر بانبهار وإعجاب لما توصل إليه الغرب من قيم إنسانية ومجتمعية تسمح لمواطنيه بالتمتع بالكرامة والعدالة والمساواة، ننسى أنه قد مر بعصور من الظلام، عاش خلالها حروب ومذابح ونشوء دول وانهيار أخرى، وقمع واستبداد في مختلف النواحي، حتى تبنى الديمقراطية كحل، ولم يتخل عن العبودية إلا من عشرات العقود، ولم تنل نساؤه حقوقها سوى من مائة عام لا أكثر، وحري بنا قبل الانبهار أن نتدبر التنزيل الحكيم وإشاراته.

وقد يتبادر لذهن القارئ سؤال مشروع، هو ما علاقة التنزيل بذلك؟ وهل تلاوة كتاب الله ستنقذنا مما نحن فيه؟ وهل ابتعادنا عن الدين هو السبب كما يصدح الشيوخ من المنابر؟
أقول للأسف أننا كما قال تعالى على لسان رسوله {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً} (الفرقان 30) فنحن كأمة هجرنا القرآن وما فيه من عبر وقوانين ناظمة للكون وللتاريخ، لا تتغير ولا تحابي أحد، وربما لو عقلناها لاجتنبنا قدر الإمكان مصائب كبيرة، لا في عصرنا هذا فقط وإنما في الماضي أيضاً.

        فقوانين الكون التي جاء بها التنزيل الحكيم تقول {إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (طه 98) والله تعالى واحد فرد صمد {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ* اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} (الإخلاص 1-4) لا ثابت إلا هو، وكل ما عداه متغير {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الجمعة 1) حيث التسبيح هو الحركة الدائمة التي يتنزه الله وحده عنها، وكل ما عداه متعدد، مجرات وكواكب وشموس وبحار وأنهار ومخلوقات لا نهائية، مختلفة عن بعضها بعضاً، وكونك تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً، يعني أنك تؤمن بألا ثابت غيره {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً *—- وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً} (الكهف 35- 42) وأنك تؤمن بأن سنة الله في خلقه هي الاختلاف والتعدد {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود 118) .
الشرك لا يعني فقط الإيمان بإله غير الله قد ينفع أو يضر، وإنما هو لسان حال له أشكال عدة، أهمها الإيمان بالثبات واللون الواحد، فأن تتمسك بما وجدت عليه آبائك فأنت مشرك، وألا ترى حق الآخر بالاختلاف عنك فأنت مشرك، وأن تقف على حال واحد دون تطور فأنت مشرك، كل هذا على الصعيد الفردي،
فإذا انتقلنا إلى المجتمعات فإن كل مجتمع أحادي ذو لون واحد لا يقبل الآخر المختلف ولا يسمح له بالتعبير عن رأيه، أطلق عليه التنزيل الحكيم مسمى “القرية”، وبشره بالهلاك أو العذاب الشديد حتماً {وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً} (الإسراء 58)، ما عدا استثناء واحد هو أم القرى {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الأنعام 92) وهي مكة التي يعبد فيها الله وحده ويلبس الناس ثياباً واحدة، ولا يتميز فيها فقير عن غني، ولا أسود عن أبيض، ويتجهون جميعهم للخالق يناجونه ويبتهلون له بالدعاء والذكر، وحدود الإحرام فيها واضحة.
        والتنزيل الحكيم ضرب أمثالاً عديدة عن قرىً هلكت عبر التاريخ بسبب الظلم الذي وقع فيها {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} (الحج 45)، وأوضح سبب هلاك القرى وهو كثرة المترفين {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (الإسراء 16) والمترفون هم من خارج المساءلة ولا اعتراض على أعمالهم، ووجودهم في أي مجتمع كاف لتحويله لقرية ومن ثم هلاكها،
 والهلاك يختلف عن الموت بأن لا حياة بعده، والله تعالى حين عاقب قوم لوط لم يكن ذلك لارتكابهم الفاحشة، فغيرهم ارتكبها ولم يعاقب، لكنهم طردوا لوط لاعتراضه ومخالفته لهم في غيهم {وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} (النمل 54) {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (النمل 56) فلقوا جزاءً من ربهم {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ* وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ} (النمل 57 -58)،
 في حين أن الله تعالى أهلك فرعون خارج مدينته، ففرعون جادل موسى وحاوره {فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً} (الإسراء 101) وتجرأ السحرة على معارضة فرعون والإيمان برب موسى {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى* قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} (طه 70 -71) لكن فرعون لم يرق له أن تخرج معارضة له دون إذنه، لذلك عاقبه الله مع أتباعه وترك مدينته {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ} (الأنفال 54)،
وبقليل من التمعن يمكننا ملاحظة دقة التنزيل الحكيم، فمجتمع فرعون “مدينة” {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} (الأعراف 123).
         من خلال الفرق بين القرية والمدينة يمكننا فهم تأسيس النبي لدولته في يثرب، وتبديل اسمها ليصبح “المدينة المنورة”، حيث أقام دولة فيها المسلم المؤمن بمحمد والمسلم المؤمن بعيسى و المسلم المؤمن بموسى، وفيها المشرك والمنافق، وفيها من يقيم الصلاة ومن لا يقيمها، وفيها دور البغاء ومجالس الشراب، أي مجتمع متعدد بكل أطياف التعدد،
في حين ترك مكة ولم يعد فيها إلا للحج، فهي المكان الوحيد في العالم الذي يقبل الأحادية، ولله وحده لا أحد غيره،
 بينما لا يمكن للمدينة أن تصطبغ بلون واحد، فالرسول الأعظم أحدث قفزة نوعية في خط سير التاريخ، والتفاعل الأول مع الرسالة التي حملها كانت دولة مدنية خارجة عن المألوف ضمن زمانها ومكانها، ولم تصل إليها الإنسانية إلا بعد قرون عدة.
ومع رسالة محمد العالمية الخاتمية، أعلن ابتداء عصر المساواة، فلا عبودية لأحد، ولا فرق بين الذكر والأنثى، والتكريم عند الله للأتقى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}  (الحجرات 13)، والتقوى تحكمها منظومة القيم الأخلاقية التي تجمع كل أهل الأرض، والقوامة في المنزل للأفضل سواء ذكراً كان أم أنثى، والمجتمع يبنى على الشورى {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} (آل عمران 159)، ضمن أساس رئيسي هو حرية الاعتقاد {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} (الكهف 29) و{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (يونس 99) فالإيمان بالله يقابله الكفر بكل أنواع الطغيان {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256)،
 فالطاغية الفرد سيهلك لا محالة وفرعون خير مثال، والمجتمع الأحادي هالك لا محالة أيضاً وفق أمثلة ميتة وحية، وما هلاك الاتحاد السوفيتي إلا مثالاَ واضحاً لمن عاصره، وإذا كان ماركس قد قال “كل مجتمع يحمل بذور فنائه بذاته” فنحن نصحح له وفق قراءتنا للتنزيل الحكيم وقوانين التاريخ التي جاءت فيه، بقولنا “كل مجتمع أحادي يحمل بذور فنائه بذاته، وكل مجتمع تعددي يحمل بذور تطوره داخله ويتطور من خلال أزماته”، هذه سنة الحياة فلا أحادي إلا الله، وسنته في خلقه هي الاختلاف،
 لذلك لن نجد نسبة أتباع ملة ما تشكل أكثرية في العالم، مهما كانت هذه الملة، وأي جهة تحمل إيديولوجيا معينة لا يمكنها النجاح بفرض ما تحمله على الناس، سواء كانت إسلامية أم قومية أم شيوعية أم غيرها، وتحت أي شعار سواء “دولة الخلافة الإسلامية” أو “ولاية الفقيه” أو “يا عمال العالم اتحدوا” أو “أمة عربية واحدة”، فكلها تحمل فكراً أحادياً إقصائياً، وسترفضه الإنسانية عاجلاً أم آجلاً.
         خلاصة القول أنه مهما كانت أمانينا فإن القرى إلى زوال، ولن نستطيع الوقوف بوجه هلاكها، وقد يؤسفنا أن نشهد دمار قريتنا، فمن خرج مطالباً بالحرية كقيمة تعرض للقتل أو الاعتقال أو النفي، وبقي الصراع بين أحاديين، لكن مع ذلك سنبقى ننشد دولة مدنية يتساوى فيها الناس في الحقوق والواجبات دون تمييز وفق عرق أو جنس أو لون، ولا يوجد فيها من هو فوق القانون، تسودها العدالة، وتفصل فيها السلطات، وتصان فيها الحريات جميعها، أي دولة يعيش فيها الإنسان كما أراد الله له، ومجتمعها كأي مجتمع تعددي متطور لسان حاله يقول: الله أحد فرد صمد، لا كمجتمعاتنا الحالية المتخلفة الأحادية التي يقول أفرادها ألف مرة في اليوم “لا إله إلا الله” ويصلى فيها على النبي ملايين المرات فيما لسان حالها يصدح بالشرك، هذا الشرك الذي يودي بها لتهلك وتندثر.

عن الدكتور محمد شحرور حفظه الله ورعاه


Contributeurs